فصل: تفسير الآيات (173- 175):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (نسخة منقحة)



.تفسير الآية رقم (172):

{الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172)}
قلت: {الذين}: مبتدأ، وجملة {للذين أحسنوا}: خبر، أو صفة للمؤمنين قبله، أو نصب على المدح.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {الذين استجابوا لله والرسول} فأطاعوه فيما ندبهم إليه من اللحوق بالمشركين، إرهاباً لهم، {من بعد ما أصابهم القرح} أي: الجرح، فتحاملوا على أنفسهم حتى ذهبوا مع نبيهم {للذين أحسنوا منهم} بأن فعلوا ما أمروا به، {واتقوا} الله في مخالفة أمر رسوله، {أجر عظيم} يوم يقدمون عليه.
الأشارة: الذين استجابوا لله فيما ندبهم من الوصول إلى حضرته، وللرسول فيما طلبهم به من اتباع سنته، فجعلوا قلوبهم محلاً لحضرته، وجوارحهم متبعة لشريعته، من بعد ما أصابهم في طلب الوصول إلى ذلك قرح وضرب وسجن وإهانة، فصبروا حتى ظفروا بالجمع بين الحقيقة والشريعة، للذين أحسنوا منهم بالثبات على السير إلى الوصول إلى الحق، واتقوا كل ما يردهم إلى شهود الفرق، أجر عظيم وخير جسيم، بالعكوف في الحضرة، والتنعم بالشهود والنظرة.

.تفسير الآيات (173- 175):

{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)}
قلت: الموصول بدل من الموصول قبله، و{يخوف}: يتعدى إلى مفعولين؛ للتضعيف، حذف الأول، أي: يخوفكم أوليائه من الكفار، أو حذف الثاني، أي: يخوف أولياءه القاعدين عن الخروج إلى ملاقاة العدو.
وهنا تفسيران: أحدهما: أن يكون من تتمة غزوة أحد، وهو الظاهر، ليتصل الكلام بما بعده، وذلك أن أبا سفيان لما هَمّ بالرجعة ليستأصل المسلمين، لقيه معبد الخزاعي، فقال له: إن محمداً خرج يطلبك في جمع لم أرَ مثله، فدخله الرعب، فلقيه ركب من عبد القيس يريد المدينة بالميرة، فقال لهم: ثبطوا محمداً عن لحوقنا، ولكم حمل بعير من الزبيب، فلما لقوا المسلمين خوفوهم، فقال: {حسبنا الله ونعم الوكيل}، ومضوا حتى بلغوا حمراء الأسد ثم رجعوا، فعلى هذا:
يقول الحقّ جلّ جلاله: {الذين قال لهم الناس} وهم ركب عبد قيس حيث قالوا للمسلمين: {إن الناس} يعني أبا سفيان ومن معه، {قد جمعوا لكم} ليرجعوا ليستأصلوكم {فاخشوهم} وارجعوا إلى دياركم {فزادهم} ذلك {إيماناً} ويقيناً وتثبيتاً في الدين، وهذا يدل على أن الإيمان يزيد وينقص، فيزيد بحسب التوجه إلى الله والتفرغ مما سواه، وينقص بحسب التوجه إلى الدنيا وشغبها، ويزيد أيضاً بالطاعة والنظر والاعتبار، وينقص بالمعصية والغفلة والاغترار.
ولما قال لهم الركب ذلك؛ ليخوفهم، {قالوا حسبنا الله} أي: كافينا الله وحده، فلا نخاف غيره، {ونعم الوكيل} أي: نعم من يتوكل عليه العبد، وهي كلمة يدفع بها ما يخاف ويكره، وهي الكلمة التي قالها إبراهيم حين ألقي في النار، {فانقلبوا} راجيعن من حمراء الأسد، متلبسين {بنعمة من الله} وهي العافية والسلامة، {وفضل} وهي زيادة الإيمان وشدة الإيقان، {لم يمسسهم سوء} من جراحة وكيد عدو، {واتبعوا رضوان الله}، الذي هو مناط الفوز بخير الدارين، {والله ذو فضل عظيم}، فقد تفضل عليهم بالتثبيت وزيادة الإيمان، والتوفيق إلى المبادرة إلى الجهاد مع الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو موجب الرضوان.
ثم حذَّرهم الحق تعالى ممن ثبّطهم عن اللحوق بالكافر، وهو ركب عبد القيس، تشبيهاً لهم بالشيطان، فقال: {إنما ذلكم الشيطان} يخوفكم أولياءه من المشركين، أو {يخوف أولياءه} القاعدين من المنافقين {فلا تخافوهم}؛ فإن أمرهم بيدي، {وخافوا إن كنتم مؤمنين}؛ فإن الإيمان يقتضي إيثار خوف الله على خوف الناس.
التفسير الثاني: أن يكون الكلام على غزوة بدر الصغرى،: وذلك أن أبا سفيان لما انصرف من أُحد نادى: يا محمد، موعدنا بدرٌ لقابل، إن شئت، فقال صلى الله عليه وسلم: «إن شاء الله تعالى»، فلما كان العام القابل، خرج أبو سفيان من أهل مكة، حتى نزل مرّ الظهران، فأنزل الله الرعب في قلبه، وبدا له أن يرجع، فلقي نُعيم بن مسعود الأشجعي معتمراً، فقال له: ائت المدينة وأعلمهم أنّا في جمع كثير، وثبطهم عن الخروج، ولك عندي عشر من الإبل، فأتى المدينة فأخبرهم، فكره أصحابُ النبيّ صلى الله عليه وسلم الخروج، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «والذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَخْرجَنّ، ولو وَحْدِي» فرجع الجَبان وتأهب الشجعان، فخرجوا حتى أتوا بدراً الصغرى، ورجع أبو سفيان إلى مكة، فسموا جيش السويق، ووافق المسملون السوق ببدر، وكانت معهم تجارات فباعوا وربحوا، وانصرف النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.
فعلى هذا، يقول الحقّ جلّ جلاله: {الذين استجابوا لله والرسول}، يعني: في غزوة بدر الصغرى، لميعاد أبي سفيان، {من بعد ما أصابهم القرح} يعني: في غزوة أحد في العام الأول، {للذين أحسنوا منهم} بالخروج مع الرسول، {واتقوا} الله في مخالفته، {أجر عظيم الذين قال لهم الناس} يعني نُعَيْم بن مسعود، وأطلق عليه الناس لأنه من جنسهم، كما يقال: فلان يركب الخيل، وما يركب إلا فرساً، أو: لأنه انضم إليه ناس من المدينة وأذاعوا كلامه. {إن الناس قد جمعوا لكم} يعني: أبا سفيان وأهل مكة لما خرج إلى مَرّ الظهران. وقوله: {فانقلبوا بنعمة من الله} أي: عافية وسلامة، {وفضل} ما أصابوا من التجارة، وقوله: {إنما ذلكم الشيطان} يعني: نعيماً يخوفكم {أولياءه} والباقي ظاهر.
الإشارة: أهل القوة من المريدين إذا قيل لهم: إن الناس قد جمعوا لكم ليردوكم أو يؤذوكم فاخشوهم، زادهم ذلك إيماناً وإيقاناً، وتحققوا أنهم على الجادة، لسلوكهم على منهاج من قبلهم؛ {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءَامَنَّا} [العَنكبوت: 2] الآية.
واكتفوا بعلم الله ونظره وبرعايته ونصره، فانقلبوا بنعمة الشهود، وفضل الترقي في عظمة الملك الودود، لم يمسسهم في باطنهم سوء ولا نقصان، واستوجبوا من الله الرضى والرضوان، وإنما ذلكم شيطان يردهم عن مقام الشهود والعيان، فلا ينبغي لهم أن يخافوا ومطلبهم مقام الإحسان، الذي تُبْذل في طلبه الأرواح والأبدان. وبالله التوفيق.

.تفسير الآيات (176- 177):

{وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (176) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (177)}
قلت: حَزَنَ يحزُن كبلغ يبلُغ، وأحزن يُحْزِن، كأَكْرم يكرم، لغتان، والأولى أفصح.
يقول الحقّ جلّ جلاله: ولا يهولك شأن {الذين يسارعون في الكفر} أي: يبادرون إلى الوقوع فيه، كالمنافقين او الكفار جميعاً، فلا تخف ضررهم؛ {إنهم لن يضروا الله شيئاً} أي: لن يضروا أولياء الله، وإنما يرجع ضررهم إلى انفسهم. {يريد الله}- بسبب ما أظهر فيهم من المسارعة إلى الكفر- {ألاَّ يجعل لهم حظّاً في} ثواب {الآخرة}؛ لِمَا سبق لهم من الشقاء، حتى يموتوا على الكفر. وفي ذكر الإرادة إشعار بأن كفرهم بلغ الغاية، حتى أراد أرحم الراحمين ألاَّ يكون لهم حظ من رحمته. {ولهم} مع ذلك {عذاب عظيم}.
ثم كرّر شأنهم تأكيد فقال: {إن الذين اشتروا الكر بالإيمان} أي: استبدلوا الإيمان الذي ينجيهم من العذاب، لو دخلوا فيه، بالكفر الذي يُوجب العذاب، {لن يضروا الله ولهم عذاب أليم} موجع، أو يكون في الكفار أصالة، وهذا في المرتدين، والله تعالى أعلم.
الإشارة: إنكار العوام على الخصوص لا يضرهم، ولا يغض من مرتبتهم، بل يزيدهم رفعةً وعلواً وعزّاً وقرباً، قال تعالى: {لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [النُّور: 11]، وسَمِعتُ شيخنا البوزيدي رضي الله عنه يقول: «كلامُ الناس في الولي كناموسة نفخت على جبل». أي: لا يلحقهم من ذلك إلا ما يلحق الجبل من نفخ الناموسة، يريد الله ألا يجعل لهم من نصيب القرب شيئاً، ولهم عذاب البعد والنصب، في غم الحجاب وسوء الحساب، لاسيما من تمكن من معرفتهم، ثم استبدل صحبتهم بصحبة العوام، فلا تسأل عن حرمانه التام، والعياذ بالله.

.تفسير الآية رقم (178):

{وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (178)}
قلت: من قرأ بالتحتية، فالذين كفروا: فاعل، و{إن} وما بعدها: سد مسد المفعولين، ومن قرأ بالفوقية فالذين: مفعول أول، و{إنما}: سد مسد الثاني، و{ما}: مصدرية، والإملال: الإمهال والتأخير. ومنه: {وَاهْجُرْنِى مَلِيّاً} [مريم: 46].
يقول الحقّ جلّ جلاله: ولا يظنن الذين كفروا أن إمهالي لهم وإمدادهم بطول الحياة، هو خير لهم، إنما نمهلهم استدراجاً {ليزدادوا} إثماً وعقوبة، {ولهم عذاب مهين} يهينهم، ويخزيهم يوم يُعز المؤمنين.
الإشارة: إمهال العبد وإطالة عمره، إن كانت أيامه مصروفةً في الطاعة واليقطةِ، وزيادة المعرفة، فإطالتها خير، والبركة في العمر إنما هي بالتوفيق وزيادة المعرفة، وفي الحكم: (من بورك له في عمره أدرك في يسير من الزمان ما لا تدركه العبارة ولا تلحقه الإشارة). وإن كانت أيام العمر مصروفة في الغفلة والبطالة وزيادة المعصية، فالموت خير منها. وقد سُئل- عليه الصلاة والسلام- أيُّ الناس خَيْرٌ؟ قال: «مَنْ طَالَ عُمرُه وَحَسُنَ عَمَلُهُ، قيل: فَأَيُّ النّاسِ شر؟ قال: مَنْ طَالَ عَمُرُهُ وَسَاءَ عَمله» والله تعالى أعلم.
ولمّا قال عليه الصلاة والسلام: «إنَّ اللهَ أطلعني على من يُؤمِنُ بي ممن يكْفُر» قال المنافقون: نحن معه ولا يعرفنا.

.تفسير الآية رقم (179):

{مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179)}
قلت: ماز يميز، وميّز يُمَيِّز، بمعنى واحد، لكن في ميّز معنى التكثير.
يقول الحقّ جلّ جلاله: لعامة المؤمنين والمنافقين: {ما كان الله} ليترك {المؤمنين على ما أنتم عليه} من الاختلاط، لا يعرف مخلصكم من منافقكم، بل لابد أن يختبركم حتى يتميز المنافق من المخلص، بالوحي أو بالتكاليف الشاقة، التي لا يصبر عليها إلا المخلصون، كبذل الأموال والأنفس في سبيل الله، ليختبر به بواطنكم، ويستدل به على عقائدكم، أو بما ظهر في غزوة أحد من الأقوال والأفعال التي تدل على الإيمان أو النفاق، {وما كان الله ليُطلعكم على الغيب} حتى تعرفوا ما في القلوب من كفر أو إيمان، أو تعرفوا: هل تَغْلُبون أو تُغْلَبُون. {ولكن الله يجتبي} لرسالته {من يشاء}، فيوحي إليه ويخبره ببعض المغيبات، أو ينصب له ما يدل عليها، {فآمنوا بالله} الذي اختص بعلم الغيب الحقيقي، وآمنوا برسله الذين اختارهم لأسرار الغيوب، لا يعلمون إلا ما علَّمهم.
رُوِيَ أن الكفرة قالوا: إن كان محمد صادقاً فليخبرنا: من يؤمن منا ومن يكفر؟ فنزلت الآية. وقيل: سببها ما تقدم من قول المنافقين، ووجه المناسبة: هو ما صَدَرَ منهم يوم أُحُد من المقالات التي ميزتهم من المؤمنين. {وإن تؤمنوا} إيماناً حقيقياً {وتتقوا} النفاق والشرك {فلكم أجر عظيم} عند الله.
الإشارة: من سُنّة الله في المتوجهين إليه إذا كثروا، وظهرت فيهم دعوى القوى، أرسل الله عليهم ريح التصفية، فيثبت الصحيح، والخاوي تذروه الريح، وما ان الله ليذرهم على ما هم عليه من غير اختبار، حتى يميز الخبيث من الطيب، أي: مَنْ هِمَّتُه الله ومَنْ هِمَّتُه سواه، وما كان الله ليُطلعكم على الغيب حتى يعلموا من يثبت ممن يرجع، أو يعلموا ما يلحقهم من الجلال والجمال، وإنما ذلك خاص بالرسل عليهم السلام، وقد يُطلع على شيء من ذلك بعض خواص ورثتهم الكرام، فالواجب على المريد أن يُؤمن بالقدر المغيب، ولا يستشرف على الاطلاع عليه؛ استشرافُك على ما بطن فيك من العيوب، خير من استشرافك على ما حُجب عنك من الغيوب. {وإن تؤمنوا} بمواقع القضاء والقدر، {وتتقوا} القنوط والكدر، {فلكم أجر عظيم}.

.تفسير الآية رقم (180):

{وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180)}
قلت: من قرأ بالخطاب؛ فالموصول مفعول أول، و{خيراً}: مفعول ثان، والضمير للفصل، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، ولابد من حذف مضاف، أي: لا تحسبن بُخلَ الذين يبخلون خيراً لهم، ومن قرأ بالغيب؛ ف {الذين}: فاعل، والمفعول الأول محذوف، لدلالة {يبخلون} عليه، لا يحسبن البخلاء خيراً لهم، والطوق: ما يدار بالعنق.
يقول الحقّ جلّ جلاله: ولا يظنن {الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله} من الأموال، فلم يؤدوا زكاتهم، أن بخلهم خير لهم، {بل هو شر لهم}؛ لاستجلابه العذاب إليهم، ثم بيَّنه بقوله: {سيطوقون ما بخلوا به} أي: يلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق للعنق، وقيل: يطوق به حقيقة، لقوله عليه الصلاة والسلام: «ما من رَجُل لا يؤدي زكاة ماله إلا إذا كان يوم القيامة- مُثِّلَ له شُجَاعاً أقْرع، له زَبِيبتَان، يطوِّقُه، ثم يأخُذُ بِلْهزِمتيه- أي: شدقيه- يقول: أنا كنْزكَ، أنا مَالُكَ، ثم تلا هذه الآية: {ولا يحسبن...}» وقيل: يجعل يوم القيامة في أعناقهم طوقاً من نار.
والمال الذي بخل به هو لله، وسيرجع لله، {ولله ميراث السماوات والأرض} فهو الذي يرث الأرض ومن عليها، فكيف يبخل العبد بمال الله، وهو يعلم أنه يرجع لله، فيموت ويتركه لمن يسعد به! ولله درّ القائل، حيث قال:
يا جَامِعَ الْمَالِ كَمْ تُضَرُّ به ** تَطْمَعُ بالله فِي الخُلُودِ معَهْ

هَلْ حَمَل المالَ مَيِّتٌ مَعَهْ ** أمَا تَارهُ لِغَيْرِه جَمَعَهْ

{والله بما تعملون خبير} لا يخفى عليه منعكم ولا إعطاؤكم، فيجازي كُلاً بعمله.
الإشارة: لا يحسبن الذي يبخلون بما أتاهم الله من فضل الرئاسة والجاه، أن يبذلوها في طلب معرفة الله، وبذلها: إسقاطها وإبدالها بالخمول، والذل لله، وإسقاط المنزلة بين عباد الله، فلا يظنون أن بخلهم بذلك خير لهم، بل هو شرٌّ لهم، سيلزمون وبال ما بخلوا به يوم القيامة، حين يرون منازل المقربين كالشمس الضاحية في أعلى عليين، وهم مع عوام أهل اليمين، محجوبون عن شهود رب العالمين، إلا في وقت مخصوص وحين.